محمد مصطفى علوش – صحيفة اللواء اللبنانية
يمر علينا اليوم التاسع من نيسان وسط جدل حاد ونظرة متناقضة بين مؤيدي الغزو الأميركي للعراق -وما أقلهم- وبين معارضي هذه الحرب وما أكثرهم عرباً وعجماً· سقطت بغداد، فسقط العراق، فطُويت صفحة من تاريخ العرب بحُلوها ومرّها وجدلها الدائم، وها هو اليوم التاسع من نيسان يعود، فلا العراق هو العراق، ولا العرب هم العرب، ولا دول الجوار هي دول الجوار· الشرق الأوسط بعد سقوط بغداد ليس هو الشرق الأوسط الذي قام قبله· إنه الشرق الذي يشهد ولادة إيران العظيمة وذل أميركا المتعجرفة وضياع العرب الذين اكتشفت معظم أنظمتهم أن إسرائيل العدوة التاريخية لهم ولقوميتهم ودينهم لم تكن كذلك، بدأوا يعترفون ضمناً أنهم كانوا مخطئين، وأن إسرائيل دولة جديرة بالاعتراف بها لو أرجعت لهم بعض حقوقهم التي سلبتها منهم طيلة (40) سنة أو يزيد!! ها هو رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود أولمرت و - بحسب ما تنقل عنه صحيفة يديعوت احرنوت -على قناعة بأن الحرب الأخيرة على لبنان أوجدت بداية تحركات، وتقديرات جديدة للوضع، مقترحاً دراسة ما يحصل في "الدول العربية المعتدلة" هذه الأيام، وبحسبه، فمن الممكن أن تكون هذه الدول قد أدركت أنها على خطأ حين اعتقدت طوال الوقت أن إسرائيل هي الهدف الذي يجب القضاء عليه، في حين أن الإسلام الأصولي هو الذي يعرض حكوماتها للخطر، وها هي باتت تنظر إلى إسرائيل في سياق جديد، لم يكن قائماً في الماضي· فهل بات العرب والعراقيون منهم لا يعرفون أين تكمن مصالحهم؟ وهل دخلوا في مرحلة ما يعرف بـ" أرذل العمر" التي تجعل من حق الحاكم ? ولعله اليوم الولايات المتحدة وإسرائيل- الحجر عليهم؟!فمن يتابع تعليقات وتصريحات وانطباعات الساسة والمهتمين بالشأن العربي عموماً والعراقي خصوصاً يُصاب بالذهول من التناقض في النتائج والتقييم بين بغداد قبل التاسع من نيسان 2003 وبغداد اليوم! قد لا تعجب حين تسمع جورج بوش يصف العراق اليوم بأنه أفضل حالاً مما كانت عليه أيام صدام، وأن العالم اليوم أكثر أمناً، ولكن ما يثير أشد العجب أن تسمع عراقيين ممن يذيلون أسماءهم بمديري مراكز وبحوث سياسية يصفون اليوم التاسع من نيسان بأنه يوم الظفر، يوم القضاء على أعتى الديكتاتوريات في الشرق الأوسط، يوم القضاء على الأنظمة الشمولية القمعية في الوقت الذي يراه آخرون إعلان موت العراق وتحوله إلى عراقيات شيعية وسنية وفارسية وعربية وكردية· إنه زمن التناقضات ، بل زمن الاستخفاف العربي، وزمن الاستخفاف بهم· فالولايات المتحدة الأميركية التي تُعدّ المسؤولة اليوم ـ قانونياً ودولياً وأخلاقياً ـ عن مأساة العراق بكل أبعادها، حين حلّت الجيش العراقي، وأمرت باجتثاث البعث قبل صدور قانون ينظم الأحزاب، وفتحت الأبواب للطائفيين واللصوص والتكفيريين والقتلة عبر الحدود، وسلمت العراق للمخابرات ـ ليست الإيرانية فحسب ـ بل من كل دول المنطقة، وبشكل خاص الموساد الإسرائيلي، و"سلمت المليارات لحكومات انتقالية شكلت على أسس المحاصصة الطائفية، وراحت تغض الطرف عن الانتهاكات البشعة لقوات وزارة الداخلية تحت قيادة بيان جبر"، وهي نفسها التي تحمّل جيران العراق المسؤولية عن إخفاق العملية السياسية هناك فتقرير بيكر-هاملتون يُلقى باللوم على العراق وجيرانه؛ إذ يقول: "جيران العراق لا يعملون بالقدر الكافي لتمكين العراق من تحقيق استقراره، وبعضهم يقوّض الاستقرار"!! فـ"عراقنا اليوم" - كما يحلو للمنخرطين في العملية السياسية تسميته- يشهد تهجير أكثر من مليوني عراقي إلى سوريا والأردن وغيرهما، وقتل ما يزيد على (660) ألف عراقي، ومعدل التضخم بلغ 60%، وبطالة تتراوح بين 25 - 50% و47% من أهله لا يحصلون أبداً












