محمد مصطفى علوش- موقع المسلم
لا شك أنها كانت زيارة نادرة لما تحمل من فرصة للتعلم لا تقدر بثمن خصوصاً إذا كانت الزائرة ملكة لأكبر إمبراطورية مستعمرة في العصر الحديث قد أنهكتها دروس الزمن ، وإذا كان صاحب الضيافة رجل مثل جورج دبليو بوش حديث العهد المتربع على عرش الإمبراطورية الوحيدة حالياً والوارثة لكل الإمبراطوريات السابقة في استعمارها.
الملكة البريطانية الطاعنة في السن "إليزابيث الثانية" تطأ الولايات المتحدة لأول مرة منذ ستة عشر عاماً مضت، الزيارة هي الرابعة لها منذ اعتلائها عرش بريطانيا، على جدول رحلتها رزمة من المشاريع، الخميس إلقاء كلمة أمام برلمان فيرجينيا بمناسبة الذكرى المئوية الرابعة لتأسيس جيمس تاون أول مستعمرة انكليزية في العالم الجديد. الجمعة المشاركة بحفل في جيمس تاون لكشف موقع اثري جديد ثم زيارة إلى معهد وليام وماري في وليامسبورغ في ولاية فيرجينيا الذي أسسه في 1693 ملك انكلترا وليام الثالث والملكة ماري الثانية. السبت، حضور سباق الخيل في "دربي كنتاكي" للمرة الأولى محققة حلم حياتها بحضور هذا الحدث مع زوجها الأمير فيليب من شرفة مقصورة خاصة حيث تخفق في المراهنة على حصان يحتل المرتبة الثالثة والثلاثين بعد المائة. الاثنين تناول العشاء على مائدة الرئيس الأميركي جورج بوش وزوجته لورا في البيت الأبيض، ثم من اليوم التالي زيارة "مركز غودارد لرحلات الفضاء" التابع لوكالة الفضاء الأميركية "ناسا" قرب واشنطن .
ما استوقفني في رحلتها هذه حدثان، الأول إلقاؤها كلمة بمناسبة تأسيس أول مستعمرة بريطانية على الأراضي الأمريكية، والثاني زلة لسان جورج بوش المعهودة خلال استقباله للملكة.
الوقفة الأولى
وقفت ملكة العرش البريطاني الذي غربت شمسه عن بلاد ما وراء البحار أمام أعضاء البرلمان في ولاية فرجينيا لإلقاء كلمة بمناسبة الذكرى المئوية الرابعة لتأسيس جيمس تاون أول مستعمرة انكليزية في العالم الجديد، ينطلق لسانها بهدوء ، أتدرون كم عدد من أسس أول مستعمرة انكليزية في بلادكم؟ كانوا 104 رجلاً في الرابع عشر من مايو 1607م أنشئوا أول مستعمرة للناطقين بالانكليزية ، في منطقة مستنقعات وموبوءة بالبعوض على طول نهر جيمس، لم ينشئوها لنشر الثقافة الإنكليزية ولا لنشر القانون أو تعليم السكان الأصليين بل فعلوا ذلك بحثاً عن الذهب.
قفز إلى ذهني وأنا اسمع هذه الكلمات، عمليات القتل والتهجير والإلغاء، ولغة التخوين ومفردات الانتقام التي يصحو وينام عليها العراقيون كل يوم حتى أصبحت فنجان القهوة الذين يتناولونه كل صباح ، مفخخات بالعشرات ، حرق للمساجد ، نسف للمراقد ، تهديم للكنائس، حرب الكل ضد الكل ، الدم أصبح خبزهم اليومي ، والهدف قضاء على الديكتاتورية، ثم نشر للديمقراطية .
ما أشبه الليلة بالبارحة، فالإمبراطورية العظمى اليوم ليست بريطانيا بل الدولة المضيفة ، والمستعمرة الأولى ليست "جيمس تاون" وإنما" بلاد الرافدين" ، و"العالم الجديد" ليس القارة الأمريكية وإنما "الشرق الأوسط الجديد" أما العام فإنه عام 2003م حيث الذكرى اقتصرت حتى الآن على أربع سنوات ولم تصل للمئوية الرابعة.
الباحثون عن الذهب في"جيمس تاون" لم يتغيروا وان تغير لون الذهب، انه النفط، أليس هذا ما قاله المتربع على عرش الإمبراطورية الجديدة جورج بوش حين قال أن الهدف من وجودهم في العراق هو تأمين النفط وحماية المستعمرة القديمة "إسرائيل".
أعود لأتابع كلام الملكة الحكيمة وأنا متلهف لأعرف نهاية القصة، متسائلاً.. ترى هل وجد المستعمرون الذهب؟ هل أحبهم السكان الأصليون؟ اندفعت الملكة تتابع الحديث عن المستعمرين الأوائل بالقول:"لكنهم لم يجدوا سوى مجاعة وأمراضا وجفافا وعداء من قبل السكان الأصليين".
مرة أخرى أجدني أشط بعيداً تهاجمني الأسئلة من كل حدب، خصوصاً أن الملكة بدت وكأنها تروي لنا حاضراً نعي












